يقول الأستاذ أدمون رباط في بحثه الهام :(( المسيحيون في الشرق قبل الإسلام )): (إنه للمرة الأولي في التاريخ انطلقت دولة، هي دينية في مبدئها، ودينية في سبب وجودها، ودينية في هدفها، ألا وهو نشر الإسلام، عن طريق الجهاد بأشكاله المختلفة من عسكرية وتبشيرية، إلي الإقرار في الوقت ذاته بأن من حق الشعوب الخاضعة لسلطانها أن تحافظ علي معتقداتها وتقاليدها وطراز حياتها – وذلك في زمن كان يقضي المبدأ السائد بإكراه الرعايا علي اعتناق دين ملوكهم، بل وحتي الإنتماء إلي الشكل الخاص الذي يرتديه هذا الدين، كما كان الأمر عليه في المملكتين العظيمتين اللتين كان يتألف منهما العالم القديم – وهو المبدأ بل القاعدة السياسية، المعروفة بصيغتها اللاتينية (Cuicus Regio Eius Religio)
أي لكل مملكة دينها، مما يؤدي لأن يصبح الشعب علي دين الملك، هذه القاعدة التي لم تندثر في البلاد الغربية إلا بفضل الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر
وكان لا بد إذن لهذه السياسة الإسلامية، المتحدرة عن القرآن، من أن تسفر عنها نتيجتان حاسمتان ما لبثت آثارهما ماثلة في الشعوب العربية، وهما بقيام الطوائف المسيحية علي أساس النظام الطائفي من جهة، ودخول سكان الأقطار التي فتحها العرب في دين الإسلام من جهة أخري

ويضيف الأستاذ رباط وهو باحث مسيحي بارز: ( فتلك الجماهير الكثيفة، التي تشكل أغلبية أهل سوريا ومصر والعراق، إنما كانت تدين بالمسيحية، وقد اعتنقت الإسلام بأفواج متلاحقة، منذ القرن الأول من الهجرة، بملء حريتها، في حين أن من بقي من هؤلاء النصاري، موزعين إلي طوائفهم المعروفة بتسمياتها المختلفة، إنما هم شهود عدل، عبر التاريخ، ليس علي سماحة الإسلام – وهو تعبير لا يفي بالواقع، لأن وجودهم كأهل ذمة في الماضي، إنما كان مبنياً علي قاعدة شرعية وليس علي شعور، من طبيعته أن يتضاعف أو أن يضعف – وإنما علي إنسانية هذا الدين العربي الذي جاء في القرآن الكريم، وهو الدين الذي أقر لغير المسلمين، ليس فقط بحقوقهم الفردية والجماعية الكاملة، بل وأيضاً بالمواطنية الشاملة في عصرنا الحاضر، الذي زال فيه نظام الذمة، لكي يحل محله نظام الحريات العامة، المنطوية، لزاماً، علي مبدأ المساواة التامة في المواطنة . 1
ثم يضيف ميتز قائلاً:( إن أهل الذمة استندوا إلي ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود، وما منحوه من حقوق، فلم يرضوا بالاندماج في المسلمين. وقد حرص اليهود والنصاري علي أن تظل (( دار الإسلام )) دائماً غير تامة التكوين، حتي إن المسلمين ظلوا دائماً يعدون (( في البلاد المفتوحة )) أنهم أجانب منتصرون، لا أهل وطن!! ) 3 )
علي هذه المقتطفات يعلق الكاتب والمفكر الإسلامي فهمي هويدي في كتابه الشيق (( مواطنون لا ذميون )) بقوله: ( لكننا مع ذلك نقرر أن الصفحات التي تؤرخ لعلاقة المسلمين بأهل الذمة، لم تكن بهذا الإشراق. فلربما تعرض بعض غير المسلمين في القرون المتطاولة من حياة دولة الإسلام لما يخالف مبادئه وأحكامه. وواجههم الاعتداء من جانب بعض أفراد المسلمين أو بعض أصحاب السلطة منهم. ولكن مثل هذا الجور كثيراً ما وقع علي المسلمين أنفسهم في عهد الانحراف والحيف ). 4 )

وهنا يقول (( جوستاف جرونيباوم )): ( نعم، إن بعض الحكام فرادي ربما أنزلوا شيئاً من الضرر بهذه الجماعات، أو لبعض البارزين من أفرادها. وهذا ما كان يحدث باطراد بعد فترات الرخاء البين والرفعة السياسية. ولكن لا تنس أن المسلمين أنفسهم لم يكونوا أقل من الذميين تعرضاً لسطوة السلطان المطلقة المتعسفة!! ) 5 )
ويضيف هويدي: ( وللإنصاف نقول إن الأمور لم تمض دائماً علي هذا النحو، فلم تخل رحلة التاريخ الإسلامي عبر قرونها الطويلة من صفحات ليست بنفس القدر من الصفاء والنصاعة. وفي هذا الصدد يذكر (( توماس أرنولد )) أنه: ( كانت تفرض أحياناً، في سبيل خدمة المؤمنين المخلصين، بعض الحالات التي تضايق الأهالي من غير المسلمين بحجة ضمان المزايا الإجتماعية السامية للمؤمنين. وقد قام بعض الخلفاء بمحاولات غير مجدية لإقصائهم عن الوظائف العامة. وأصدر المنصور (( 754 : 775 م ))، والمتوكل (( 847 : 861 م ))، والمقتدر (( 908 : 932 م ))، والأمر (( 1101 : 1130 م )) وهو أحد الخلفاء الفاطميين في مصر، مراسم بهذا الصدد وصدر مثل هذه المراسيم في عهد سلاطين المماليك في القرن الرابع عشر الميلادي ). 6 )

ويضيف السير أرنولد: ( أن مجرد تجدد هذه المراسيم الخاصة بإقصاء الذميين من الوظائف الحكومية، دليل علي أن مثل هذه الأساليب التي تنطوي علي التعصب لم تكن توضع موضع التنفيذ دائماً. والحق أنه يمكن أن تكون هذه المراسيم راجعة بوجه عام إما إلي سخط شائع أثاره السلوك الخشن المتعجرف، الذي يسلكه الموظفون المسيحيون ، أو إلي ثورات من التعصب حملت الحكومة علي القيام بأعمال من التعسف تتنافي مع الروح العامة التي ظهر بها الحكم الإسلامي. ولكن مصير هذه الأعمال التعسفية قد آل إلي الزوال في أسرع وقت ). 7 )
يقول ول ديورانت في سلسلة قصة الحضارة: ( علي أن الفترة الواقعة بين خلافة السفاح وحتي نهاية عصر المعتصم تعتبر من العهود الزاهرة في تاريخ أهل الذمة، لما لقيه أهل الذمة من تسامح في ممارسة شعائرهم الدينية، وفي بناء الكنائس والأديرة وفي مساواتهم بالمسلمين في الوظائف، فكانت طوائف الموظفين الرسميين تضم مئات من المسيحيين وقد بلغ عدد الذين رقوا منهم إلي مناصب الدولة العليا من الكثرة لدرجة أثارت شكوك المسلمين )!!. 8 )
وهنا يقول الجاحظ: ( إنهم نافسوا المسلمين في لباسهم وركوبهم وألقابهم، وتسموا بالحسن والحسين والعباس والفضل وعلي واكتنوا بذلك أجمع، فرغب إليهم المسلمين وترك كثير منهم عقد الزنانير وامتنع كثيرٌ من كبرائهم من إعطاء الجزية، وأنفوا مع اقتدارهم علي دفعها )!! 9
وفي الوقت ذاته كانت الجامعات والمعاهد الإسلامية مفتوحة علي مصارعها لأهل الذمة حتي تتلمذوا علي أيدي علماء وفقهاء مسلمين، فدرس حنين بن إسحق علي يد الخليل الفراهيدي وسيبويه حتي أصبح حجة في العربية، وتتلمذ يحيي ابن عدي علي يد الفارابي، ودرس ثابت بن قرة علي يد محمد بن موسي!! 10 )

بالطبع، لن يكون دليلنا التاريخ المشرق بأمثلته القوية لنعتمد عليه في إقامة علاقة صحية وحميمة بين المسلمين وغير المسلمين، لكننا بكل تأكيد كما يؤكد فهمي هويدي المفكر الإسلامي: ( نستطيع الاعتماد علي هذا الرصيد ذاته في أن نثق في إمكانية إقامة هذه العلاقة، الأمر الذي يمنحنا قوة معنوية لا حدود لها إذا ما عزمنا علي بلوغ هذا الهدف، في صدق وتجرد
يضيف هويدي: ( وإذا كان اتفاقنا مستقراً علي ضرورة إقامة هذه العلاقة الصحية والحميمة، فإنه يصبح من المحتم ان تكون هناك صيغةٌ أو إطار واضح المعالم لهذه العلاقة، تعبر – ابتداءاً – عن روح الإسلام الحقة، وتقودنا – انتهاءاً – إلي مجتمع العدل والقسط، الذي يحتم كرامة الإنسان، وهو يسعي إلي هدفه الكبير في عمارة الكون، تعبيراً عن جدراته بالتكليف الإلهي في خلافته سبحانه وتعالي للأرض ). 11
يقول الدكتور عمرو الشوبكي في إجابته عن دور المعنيين بشئون الإسلام والمسيحية في حل الأزمة أن: شيوخ الأزهر والأوقاف يوظفون بصورة سلبية سيئة في الأزمة، فتراهم في أحاديثهم في عزلة عن المجتمع
كما أن فترة الصحوة الإسلامية التي شهدتها مصر صعوداً بعمرو خالد وشيوخ الزوايا زادت من حدة الأزمة، فاللغة الطائفية تزداد، والصحوة هي رمزية تعبر عن المظهر لا الجوهر. صحيح أن ارتداء الحجاب يزداد بين الشابات، إلا أننا نري معه انحطاط كبير في أخلاق المجتمع المصري

كما أن الكنيسة لم تتعامل عقلانياً وبتسامح مع المسلمين فقد كان خطابها منغلق وطائفي، أضف إلي هذا خطاب أقباط المهجر المتطرف والعنصري الكاره للإسلام والمسلمين
ويضيف الشوبكي أن: مايحتاجه الإسلاميون عامة، هو نقد ذاتي قادر علي إقامة مراجعة للخطاب الشكلي والمظهري الذي نعيشه هذه الأيام. وهو المناخ الذي ساهم في عزلة الطرفين عن بعضهما البعض كما أنك تلاحظ أن الخطاب الإسلامي السلفي وهو الأسوأ بين خطابات الإسلاميين يحتاج إلي أن يتحدث بجرأة ومصارحة أكثر
الحكومة نفسها، كانت سعيدة بهذا الخطاب، فهو يوتر ملف من أصعب وأعقد الملفات في مصر، ويعقدها وهو ما يهم الحكومة المصرية

ويقول الشوبكي، الخبير بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية: برامج الأحزاب أيضاً في مصر لم نقرأ فيها عن ثمة إجراءات وخطوات حقيقية، لحل الأزمة، بل أغلبها كلام لا يمت للواقع بصلة وأضافت الدكتور مني ( حفيدة الزعيم القبطي مكرم عبيد، الرجل الثاني في تشييع جنازة الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ) أن: قطبي الأمة المسلمين والمسيحيين، يشتركون في آلامهم وآمالهم وأحلامهم بالمستقبل، ووقفوا يداً واحدة في كل الظروف القاسية التي مر بها الوطن
لكن السلوك الحكومي وأسلوب تعامله مع المواطن، أوجد ما يعرف بالفتنة الطائفية، وإن كانت مجرد أحداث موسمية، تقع بين الحين والآخر، حيث عمد النظام إلي تجاهل المواطن وإغلاق الحوار معه، فأصبحت هناك فجوة كبيرة، شعر خلالها الشعب بأنه بعيد عن اهتمامات الحكومات، فولد ذلك بعض الأحداث، التي كان ضحيتها فئات مستضعفة، سواء كانت أقليات دينية أو المرأة أو جماعات ما!! تضيف أن الأمن والبطالة والمرض ثالوث أيضاً يحاصر الأماكن التي تحدث فيها ما يسمي بالفتن الطائفية
فقرية بمها التي حدثت فيها وقائع فتنة طائفية، يعاني أهلها من متاعب حياتية ومصاعب تدفعهم إلي التحول إلي مواطنين متطرفين يتبنون العنف طريقاً بسيطاً لتحويل قريتهم إلي مكان يعيش في آدميون!!القرية التي تبعد 75 كيلو متراً جنوب محافظة الجيزة، يمكن الوصول إليها عبر سيارة متهالكة، لا تصلح إلا لتكسير عظام ظهرك، وتلقينك درساً مسبقاً قبل دخول السجن، بدعوي الإساءة لسمعة مصر، لأنك قمت بالذهاب إليها ومناقشة أحوال الناس هناك. حدث هذا علي الأقل مع هشام علام مراسل المصري اليوم الذي ذهب إلي بمها، ليتفقد أحوال القرية التي حدث فيها فتنة طائفية منذ أسابيع.
يقول هشام أن: ضابط برتبة عقيد، شاهدنا ونحن نتجول في القرية، فاصطحبنا إلي قهوة ريفية حولتها قوات الأمن، إلي مقر لقيادة الشرطة وأمن الدولة
أخبرته قيادات من وزير الداخلية أن: ( دخول القرية لغير سكانها ممنوع، خاصة الصحفيين )، وأضاف أحد الضباط الحديث مع أهالي القرية لا يتم إلا بتصريح من الداخلية وحتي لو حصلتم علي التصريح فإننا سنمنع دخول الصحفيين، لأن هذا يخل بالأمن، أما التصوير تليفزيونياً فهو متاح فقط للتليفزيون المصري، وقال: نحن نحدد ما يتم تصويره وإذاعته!!

القرية التي زارها علام ، يقول عنها أن أعمدة الضغط العالي تشق طريقها بين الحقول، وتمتد فوق المنازل الإسمنتية التي لا تتعدي الطابق الواحد، في حين تحولت أسطحها إلي (( عشش )) لتربية الدواجن، أما الحقول فقد خلت من الفلاحين الذين تركوا أكوام القمح المحصود غذاءً سهلاً للطيور والعصافير
يضيف علام: الصرف الصحي ليس متوفراً في القرية، وحظر التجول موجودٌ في كل وقت ومكان!!، ومنع الفلاحين من الذهاب إلي مزارعهم لجني محصول القمح، جعل الطيور تأكل المحصول الذي عمل علي زراعته الفلاحين، الذين يوجدون في كل منزل من منازل القرية!!
المقاهي أيضاً، يجلس عليها الشباب من ذوي المؤهلات العليا، الذين يبحثون دوماً عن عمل، إلا أنهم لا يجدون
لماذا نتحدث عن أزماتنا علي صفحات الإنترنت وورق الصحف والمجلات، ونترك الواقع الذي أفسدته الحكومات المصرية المتتالية، ورئيسها؟!! حري بنا كمسيحيين ومسلمين أن نتجه إلي الواقع لنبني ونصلح بعض ما تم هدمه وإفساده؟!أليس من حقنا أن نقرأ جيداً في تاريخنا المسيحي قبل الإسلامي، فنتعلم منه دروساً افتقدناها، حتي نعرف صحيح الإسلام وخطأ الدولة يا نورا؟!!
( 2 ): د. إسماعيا فاروق، الإسلام بين الديانات الآسيوية العظمي، تيويورك، ماكميلان صـ 29.
( 3 ): آدم ميتز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة الدكتور: محمد عبدالهادي أبو ريده، الجزء الأول، صـ 575 و 593.
( 4 ): أ.فهمي هويدي ، مواطنون لا ذميون (( موقع غير المسلمين في مجتمع المسلمين ))، صـ 68.
( 5 ): من بحث للدكتور محمد فتحي عثمان، نشر في مجلة (( الأمان البيروتية ))، الأعداد من 18 إلي 20 في يونيو 79، حول مراجعة الأحكام الفقهية الخاصة بوضع غير المسلمين، نقلاً عن كتاب: (( حضارة الإسلام ))، لمؤلفه: (( جوستاف فون جرونيباوم ))، ترجمة عبدالعزيز جاويد صـ 231.
( 6 ): أ. فهمي هويدي، مواطنون لا ذميون، صـ 70 و 71. نقلاً عن توماس أرنولد، الدعوة إلي الإسلام صـ 81 و 82.
( 7 ) توماس أرنولد، الدعوة إلي الإسلام، صـ 81 و 82.
( 8 ): ول ديورانت، قصة الحضارة، جـ 13، صـ 132.
( 9 ): رسائل الجاحظ، الجزء 18.
( 10 ): الأصفهاني، الأغاني، جـ 8، صـ 136.
( 11 ): فهمي هويدي، مواطنون لا ذميون صـ 73.









